محمد بن جرير الطبري

29

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين : فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ بتنوين " الجزاء " ورفع " المثل " بتأويل : فعليه جزاء مثل ما قتل . وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأ : فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ بتنوين الجزاء . ورفع المثل ، لأن الجزاء هو المثل ، فلا وجه لإضافة الشيء إلى نفسه . وأحسب أن الذين قرءوا ذلك بالإضافة ، رأوا أن الواجب على قاتل الصيد أن يجزي مثله من الصيد بمثل من النعم ؛ وليس ذلك كالذي ذهبوا إليه ، بل الواجب على قاتله أن يجزي المقتول نظيره من النعم . وإذ كان ذلك كذلك ، فالمثل هو الجزاء الذي أوجبه الله تعالى على قاتل الصيد ، ولن يضاف الشيء إلى نفسه ، ولذلك لم يقرأ ذلك قارئ علمناه بالتنوين ونصب المثل . ولو كان المثل غير الجزاء لجاز في المثل النصب إذا نون الجزاء ، كما نصب اليتيم إذ كان غير الإطعام في قوله : أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ وكما نصب الأموات والأحياء ونون الكفات في قوله : أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أَحْياءً وَأَمْواتاً إذ كان الكفات غير الأحياء والأموات . وكذلك الجزاء ، لو كان غير المثل لاتسعت القراءة في المثل بالنصب إذا نون الجزاء ، ولكن ذلك ضاق فلم يقرأه أحد بتنوين الجزاء ونصب المثل ، إذ كان المثل هو الجزاء ، وكان معنى الكلام : ومن قتله منكم متعمدا ، فعليه جزاء هو مثل ما قتل من النعم . ثم اختلف أهل العلم في صفة الجزاء ، وكيف يجزي قاتل الصيد من المحرمين ما قتل بمثله من النعم . فقال بعضهم : ينظر إلى أشبه الأشياء به شبها من النعم ، فيجزيه به ويهديه إلى الكعبة . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط عن السدي ، قوله : وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ما يقتله المحرم قال : أما جزاء مثل ما قتل من النعم ، فإن قتل نعامة أو حمارا فعليه بدنة ، وإن قتل بقرة أو أيلا أو أروى فعليه قرة ، أو قتل غزالا أو أرنبا فعليه شاة . وإن قتل ضبا أو حرباء أو يربوعا ، فعليه سخلة قد أكلت العشب وشربت اللبن . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا هارون بن المغيرة ، عن أبي مجاهد ، قال : سئل عطاء : أيغرم في صغير الصيد كما يغرم في كبيره ؟ قال : أليس يقول الله تعالى : فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ما يقتله المحرم حدثنا هناد ، قال : ثنا ابن أبي زائدة ، قال : أخبرنا ابن جريج ، قال : قال مجاهد : وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ قال : عليه من النعم مثله . حدثنا هناد ، قال : ثنا جرير ، عن منصور ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس ، في قوله : فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ما يقتله المحرم قال : إذا أصاب المحرم الصيد وجب عليه جزاؤه من النعم ، فإن وجد جزاءه ذبحه فتصدق به ، فإن لم يجد جزاءه قوم الجزاء دراهم ثم قوم الدراهم حنطة ثم صام مكان كل نصف صاع يوما . قال : وإنما أريد بالطعام الصوم ، فإذا وجد طعاما وجد جزاء . حدثنا ابن وكيع وابن حميد ، قالا : ثنا جرير ، عن منصور ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس : فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً ما يقتله المحرم قال : إذا أصاب المحرم الصيد حكم عليه جزاؤه من النعم ، فإن لم يجد نظر كم ثمنه قال ابن حميد : نظر كم قيمته فقوم عليه ثمنه طعاما ، فصام مكان كل نصف صاع يوما ، أو كفارة طعام مساكين ، أو عدل ذلك صياما . قال : إنما أريد بالطعام : الصيام ، فإذا وجد الطعام وجد جزاءه . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا يزيد بن هارون ، عن سفيان بن حسين ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس : وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ما يقتله المحرم فإن لم يجد هديا ، قوم الهدي عليه طعاما وصام عن كل صاع يومين . حدثنا هناد . قال : ثنا عبد بن حميد ، عن منصور ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس في هذه الآية : وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ ما يقتله المحرم قال : إذا أصاب الرجل الصيد حكم عليه ، فإن لم يكن عنده قوم عليه ثمنه طعاما ثم صام لكل نصف صاع يوما . حدثنا أبو كريب ويعقوب ، قالا : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا عبد الملك بن عمير ، عن قبيصة بن جابر ، قال : ابتدرت وصاحب